ابن عجيبة

561

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : إنّا نحن نحيى القلوب الميتة بالغفلة والجهل ، فنحييها بالعلم والمعرفة ، ونكتب ما قدّموا من العلوم ، والأسرار والمعارف ، وآثارهم ، أي : الأنوار المتعدية إلى الغير ، ممن اقتبس منهم وأخذ عنهم . قال القشيري : نحيى قلوبا ماتت بالقسوة ، بما نمطر عليها من صنوف الإقبال والزلفة ، ونكتب ما قدموا وَآثارَهُمْ ؛ خطاهم إلى المساجد ، ووقوفهم على بساط المناجاة معنا ، وما ترقرق من دموعهم على عرصات خدودهم ، وتصاعد أنفاسهم . ه . ثم ضرب مثلا لقريش في تكذيبهم ، وفيه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 13 إلى 19 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ( 13 ) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ( 14 ) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ( 15 ) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 19 ) قلت : « اضرب » : يكون بمعنى : اجعل ، فيتعدى إلى مفعولين ، و « مثلا » : مفعول أول ، و أَصْحابَ : مفعول ثان ، أو : بمعنى « مثل » ، من قولهم : عندي من هذا الضرب كذا ، أي : من هذا المثال . و « أصحاب » : بدل من « مثلا » ، و « إذ » : بدل من « أصحاب » . و « أئن ذكّرتم » : شرط ، حذف جوابه . يقول الحق جل جلاله : وَاضْرِبْ لَهُمْ أي : لقريش مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ أي : واضرب لهم مثل أصحاب القرية « أنطاكية » أي : اذكر لهم قصة عجيبة ؛ قصة أصحاب القرية ، إِذْ جاءَهَا أي : حين جاءها الْمُرْسَلُونَ ؛ رسل عيسى عليه السّلام « 1 » ، بعثهم دعاة إلى الحق ، إلى أهل أنطاكية . وكانوا عبدة أوثان . إِذْ أَرْسَلْنا : بدل من « إذ » الأولى ، أي : إذ بعثنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ ، بعثهما عيسى عليه السّلام ، وهما يوحنا وبولس ، أو : صادقا وصدوقا ، أو غيرهما . فلما قربا إلى المدينة ، رأيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجار ، فسأل عن حالهما ، فقالا : نحن رسولا عيسى ، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن ؟ فقال : أمعكما آية ؟

--> ( 1 ) هذا قول قتادة ، أخرجه الطبري ( 22 / 155 ) والظاهر من ( أرسلنا ) أنهم أنبياء ، أرسلهم اللّه ، ويدلّ عليه : قول المرسل إليهم : ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وهذه المحاورة لا تكون إلا مع من أرسله اللّه ، ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح - عليه السّلام . راجع تفسير ابن كثير ( 3 / 569 ) والبحر المحيط ( 7 / 313 ) .